الأربعاء، 14 مايو 2014

صراع المواطن مع السلطة بين زمنين .../ مقال .../ محرر صحيفة فنون الفنانوالكاتب .../ قاسم ماضي .../ اميركا ...


صراع المواطن مع السلطة بين زمنين
سرحان بين الأمس والان ل " عبد علي كعيد "
يقول عنها الشاعر " نوفل أبو رغيف " وهو المشرف العام على هذه المسرحية ، وكذلك المسرحيات التي تقدمها دائرة السينما والمسرح ،بإعتباره مدير عام الدائرة التي يشغلها ويتولى مسؤوليتها ، وهو بالتالي يجب أن يكون مشرفاً على الأعمال التي تقدمها " دائرة السينما والمسرح " هذه المسرحية التي شاهدتها في المسرح الوطني أثناء زيارتي الاخيرة لبغداد الحبيبة ، وبحضور جمهور غفير من محبي المسرح الشعبي ، وكذلك من المعنيين بهذه الخشبة المقدسة ،وأقصد هنا أستاذة وطلبة الفنون المسرحية ، بالأضافة إلى موظفي دائرة السينما والمسرح ، وبقية الفرق المسرحية ، وكما هو معروف المسرح يساهم في أستمرار الحياة الثقافية ويقوي من ديناميتها ، وبالتالي إسهامها في أستقطاب الجمهور الذي نعول عليه في هذه الأيام ، ونحن نتعرض لهجمة شرسة من بعض العمائم الذين يقودون دفة الحكم والذين يتصدون لجميع الفنون بإعتبار الفنون " حر امس " والذي لا يعرف الفنون نقول ُ له هي التي تقدم النصح ، وتُظهر الجانب السلبي والايجابي في وطننا الجريح ، أوسائر أرض المعمورة ،هذه المسرحية " هي مسرحة الواقع المؤلم " كما يقول عنها الشاعر ومدير عام المؤوسسة " نوفل أبو رغيف " وأصفاً مخرجها الفنان " عبد علي كعيد " بالمخرج الدؤوب من خلال مشواره المسرحي ، ليطل علينا هذه المرة مؤلفاً ومخرجاً عبر نسق آخر من أنساق الكوميديا السوداء ، متمسكاً برؤيته في مسرحة الواقع المؤلم في يومياتنا ، فيعيد أنعاش الذاكرة مستدعياً مأساة أمس قريب بتفاصيله وجزئياته المسكوت عنها ومشاهده التي طالما اوجعت سنواتنا العراقية وجارت عليها ، والكوميديا السوداء كما يقال عنها " هي فن الكوميديا والسخرية وهي تمتاز بأنها تدور حول موضوعات تعتبر عمموماً من الأمور المحرمة ، بحيث يتم التعاطي مع تلك الموضوعات بشكل فكاهي أو ساخر مع الأحتفاظ بجانب الجدية في الموضوع ، وبالتالي يصبح المسرح والتمثيل ، المرآة التي تعكس حياة بلد ومشاعر شعب ، ولو وجهنا سؤالا ً إلى الكاتب المعروف " عزيز نيسين ، وأسمه الحقيقي " محمد نصرت نيسين " وهو واحد من أفضل كتاب مايعرف بالكوميديا السوداء في العالم ، أو ما تسمى بالقصص المضحكة المبكية ، عما يجري في العراق وبظل الظروف الحالية التي تتشدق بها الحكومة وممارساتها الخبيثة مع أبناء شعبها ماذا يقول ! هل يسخر منهم ! كما سخر " كعيد " عن مرحلتين مهمتين في تاريخ جيلنا المعذب ! وكعيد ومنهجه الفكري منذ تقديمه بعض َ العروض المسرحية الكوميدية ، تأخذ تلك الخطوط الحزينة والتي أخذت شكل السخرية السوداء الناقمة على التخلف البغيض ، والنفاق المستشري في مجتمعنا العراقي ومن كتاب التقارير في زمن النظام السابق والحالي ، وهو يمنح شخوصه التي يختارها من الواقع أبعادا ً جديدة وهو لصيق هذا الواقع المقرف بحيث يعطي هالة ملائكية جميلة ، وخير دليل شخصية " سرحان " التي مثلها الفنان الكوميدي " ناهي مهدي " وبالتالي هذه الهالة الملائكية المقدسة بالنسبة ل " كعيد " المؤلف والمخرج ، هي المحفز القوي له في معترك كفاحه الطويل ضد قوى الظلام والجهل والتخلف ، وبالتالي الذي لا يعرف " كعيد " الذي هو الآن طالب الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة ، وزاملني لفترة أربع سنوات في الكلية في مرحلة " البكلوريوس " وهو دائم البحث والأسئلة عن كل ماهو فلسفي وجمالي ، بالرغم من بعض المعترضين عليه ، والذين يسيطرون على دائرة السينما والمسرح سواء كانوا من الجيل القديم أو الجيل الجديد ، يخاطبهم قائلاً في كلمته " كي أزيح الغبار عن قدراتي الإبداعية بعد أن طمسها " فرسان الفساد "و لأنه يمتلك أدواته الأخراجية والتمثيلية والكتابية عبر نسيجه الخاص الذي أعتاد عليه والذي يمثل نهجه الفني الواقعي الشعبي الساخر عبر عروضه العديدة ومنها مسرحية " حاميها حراميها " ومسرحية " هاي تاليها " ومسرحية " ولاية بطيخ " وغيرها من الأعمال التي تميزبها عبر مسيرته الفنية ، وهل أستجابت لشروط العرض المسرحي مسرحية " سرحان بين الأمس واليوم " وهذا السؤال الذي خرجتُ به بعد مشاهدة العرض المسرحي ، وبما أن المسرح هو فعل وإبداع يتطلب عملاً وحضورا جماعيا ً فقد لعبت سينوغرافيا " عصام جواد " دوراً أساسياً في هذا العمل في تفعيل مشهدية العرض والأشتغال على التفاصيل الصغيرة ،ولأن المسرح فعل حضاري وثقافي بمفهموم الجميع وخاصة لدى المشتغلين عليه ، يتطلب الإنخراط في حقيقة تنمية الوعي ومدارك المتلقي ، وفي غياب المسرح لا يمكن أن نتكلم عن فعالية حقيقية لثقافة وطنية ، فظل الهاجس الوطني الذي يلعب عليه المخرج والمؤلف في هذه المسرحية والتي فكرتها تتحدث عن شخص بسيط من عامة الناس ، أراد كما حمله مضمون العرض ( الثيمة ) أن يعيش بسلام وأمان وهو شخصية البطل " سرحان " وهذه راحة البال في هكذا مجتمعات صعبة المنال في ظل وجود واقع معقد ينوء بمشكلات جمة ويمور بصراعات هنا وهناك ، الامر الذي جعل البطل ان يكتفي بتحقيق أدنى هدف له الا وهو توفير لقمة العيش المغمسة بالكرامة لأفراد عائلته التي تعبت بظل الظروف الخاوية وهي باحثة عن الحلم الحقيقي الذي يراودها ، هذا الأنتظار ولد لهم العجز والمعاناة والهموم عبر رحلة من السجون والمعاناة والتجني عليه من قبل رجل الشرطة " جواد المدهش " المرتشي الذي يمثل وجها ً من وجوه السلطة الفاسدة الحاكمة ، و كذلك مراقب البلدية " ماجد عبد الجبار " الذي يخضعه لعملية ابتزاز عبر توجيه حزمة من التهم الباطلة كي يقبض المقسوم ، وهو لايملك أي شيء ، ومع ذلك هو " سرحان " الشخصية الكوميدية التي رسمت البسمة على شفاهنا ، ولكن بشفرة مصحوبة بألم وحزن ، أذن هي كومديا سوداء طرحت خلالها أحداث مسرحية " سرحان بين الأمس والأن " ولم يكتف بهذا فقد مرر عبر بعض الانساق ما يحدث الآن من صراعات بفعل الطائفية والمحاصصة موجها ً خطابه للشعب العراقي كي تتوحد كلمته بعيداً عن مفاهيم الطائفية والمذهبية ليبنوا معاً عراق المواطنة والمحبة ، وفيما يتعلق بالمعالجة الاخراجية فقد رسمت على نحو واقعي من خلال المفردات البصرية المستخدمة في بناء فضاء العرض وطريقة الاداء المرتكن على الايقاع السريع الذي يتواءم مع ايقاع الكوميديا واتسمت المشاهد بالتوظيف المكثف للتفاصيل الواقعية لحركة الشارع وخاصة المشهد الأول كأننا في سوق عكاظ الشهير حيث تعالي اصوات الباعة ، الجنابر + العربانة + المتسول " هذا ما موجود في منطقة " الباب الشرقي " مستفيدا ً من توزيع كل الفنيين في مداخل ومخارج المسرح ، بغية خلق الفضاء البصري الذي يعكس البيئة المكانية للحدث ولعب عنصر الاضاءة دوره في تعزيز مفردات الجو النفسي لاسيما في مشاهد السجن ومشاهد المواجهة بين الزوج والزوجة العام للمشهد وتفعيل سينوغرافيا العرض " لمصممها عباس قاسم " و " ليث هادي " وما يلاحظ في سياق العرض انه وقع في فخ الملل والتكرار في بعض مواضعه نتيجة الاستطراد الحواري غير الضروري على الرغم من ان هذا النوع من الخطاب الفني المسرحي يعتمد على الحوار المضحك لتمرير رسائله الا ان عنصر الارتجال الذي مارسه بعض الممثلين لم يتسق مع بنية العرض او مضمونه وبقي مجرد اجتهاد شخصي للممثلين وتأتي هذه العروض المسرحية ذات البيئة الشعبية الجماهيرية في سياق تمرير رسائل تعد ضرورية الآن للجمهور العراقي وهو يواجه تحديات كبيرة ومصيرية ألقت بظلالها على نسيج مجتمعه لذا تبقى الحاجة لهذا النوع من الخطاب لترميم عرى التواصل المجتمعي للمجتمع العراقي بعد ان مزق سكين السياسة الكثير من خيوط المشهد الاجتماعي العراقي الامر الذي جعل من ترميم وتأهيل الذات العراقية ضرورة قصوى قبل ترميم أي قطاع بعد ان نخرت وأصابها الخراب .
قاسم ماضي – ديترويت
Like · · Promote · Share

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق