المسرح الغنائي
فى عهد الخديو إسماعيل الذى أراد أن يجعل مصر "قطعة من أوربا" شهدت مصر انفتاحا غير مسبوق على الحضارة الغربية فقد كثرت الجاليات الأوربية فى البلاد وتعددت أنشطتها من التجارة إلى الصناعة إلى الحرف وكان من الطبيعى أن يصاحب تلك الجاليات أذواقها وفنونها ، وأشهر العروض الأجنبية على الإطلاق كان عرض أوبرا عايدة من تأليف الموسيقار الإيطالى فيردى ، والتى تم إعدادها خصيصا لمناسبة افتتاح قناة السويس عام 1869 ، والأوبرا تحكى قصة مصرية من أعماق التاريخ لكن ألحانها فى منتهى الحداثة وبطبيعة الحال صحبها فريق أوركسترا بالمواصفات العالمية ، تعددت العروض بعد ذلك وأصبح مألوفا قدوم الفرق الفنية الأوربية لأداء عروضها فى مصر بانتظام
كان تأثير العروض الفنية الأوربية محدودا خلال القرن 19 على الفنانين والجمهور على السواء ، لكن بنهاية القرن ظهر المسرح الغنائى المصرى كشكل فنى جديد استهوى العديد من الفنانين مع بداية القرن العشرين
نشأ المسرح الغنائى على يد سلامة حجازى وازدهر بأعمال كامل الخلعى وداود حسنى وسيد درويش وزكريا أحمد
زاوج سلامة حجازى الشعر العربى بالمسرح الغربى بتقديمه المسرحيات العالمية مترجمة ومعربة وموضوعات عربية الأصل فى شكل درامى غربى بألحان شرقية خالصة ، واستمر هذا الاتجاه فى مسرحيات بألحان الملحنين المخضرمين داود حسنى وكامل الخلعى ، إلا أن سيد درويش لم يرق له الاستمرار فى تقديم ألحان تقليدية فى هذا المسرح
مسرح سلامة حجازى
يعتبر سلامة حجازى مؤسس المسرح الغنائى العربى فى مصر وعلى خطاه سار من بعده وتعددت الفرق المسرحية الغنائية بفضل إصراره على تقديم ذلك الشكل الجديد للفن والذى لم يكن موجودا قبله ، وكان سلامة حجازى صاحب الفرقة والممثل الأول والمطرب الأول والملحن أيضا ، بعد وفاته تم فصل هذه الوظائف فى فرق الريحانى والكسار وغيرهما خلال القرن العشرين وفتح المجال للتخصص ومن ثم إمكانية الإبداع بصورة أفضل
كان مسرح الشيخ سلامة حجازى يقدم لجمهوره أفضل ما يمكن ، وكان يبحث عن نصوص الروايات الجيدة ويلحن أغانيها رغم تنوعها بين المسرحيات الشعرية العربية والنصوص المقتبسة أو المعربة عن نصوص الأدب العالمى
ويعتبر الشيخ سلامة أفضل من غنى القصائد فى وقته وله فضل الاهتمام بالشعر العربى الأصيل وإحياء الشعر القديم
قدم سلامة حجازى ألحان سيد درويش إلى الجمهور فى مسرحية فيروز شاه من إخراج جورج أبيض عام 1917 ، لم تكن هذه المرة الأولى التى قدمه فيها فقد سبق له تقديمه عام 1914 بين الفصول بأحد أدواره ، كان سيد درويش وقتها يلحن الأدوار والموشحات على الطريقة القديمة لكنه بدأ فى تلحين بعض الطقاطيق التى ذاعت بين الجمهور رغم انعدام وسائل الإعلام مثل زورونى كل سنة مرة ، ومنها ألحان استخدم فيه تيمات شعبية التقطها بذكاء من ألسنة الباعة والفئات الشعبية
على أنه يجب ملاحظة أن المسرح الغنائى نفسه قد تطور مرورا بنفس هاتين المرحلتين ، على سبيل المثال فإن مسرح سلامة حجازى وهو من فئة المشايخ لم يخرج بالموسيقى عن الأسلوب القديم ، وبينما نشط كل من كامل الخلعى وداود حسنى فى المسرح الغنائى لكنهما لم يخرجا بالموسيقى عن إطار التنغيم
داود حسنى
عاصر داود حسنى فن القرن 19 كما عاصر فن القرن العشرين ، وقد حضر عهد الحامولى كما لحن لأم كلثوم ، ولذلك كان مؤهلا للاشتراك فى التغيير الكبير الذى حدث فى المجتمع والفن أثناء حياته ، ومن محاولاته للتحديث تلحبن أول أوبرا مصرية هى شمشون ودليلة ، لكن أشهر ألحانه كانت الطقاطيق الخفيفة التى ما زال بعضها يردد لليوم
كامل الخلعى
من فنانى القرن 19 والقرن العشرين أيضا ، والخلعى من أساتذة الموسيقى الكبار وقدا استمر نشاطه حتى الثلاثينات من القرن العشرين وكان أكثر من غيره ميلا إلى المسرح الغنائى امتدادا لحركة سلامة حجازى المسرحية ، اشترك فى وضع ألحان بعض المسرحيات مع سيد درويش وله أربعة كتب فى الموسيقى وعشرات من الموشحات والألحان المسرحية
مسرح سيد درويش
بمقدم سيد درويش تغير كل شيء .. حلت المدرسة التعبيرية محل مدرسة التنغيم والطرب من أجل الطرب وأصبحت الموسيقى هى المدخل للتعبير عن الكلمات والنصوص والجو العام لموضوع القصة المسرحية
كان يمكن لكامل الخلعى مثلا ، وهو أحد الأساتذة الكبار ، أن يقدم لحنا فى إحدى الأوبريتات على إيقاع قديم شائع فى الموشحات الأندلسية
لكن سيد درويش كان له رأى آخر ، فقد لحن بنفسه الموشحات لكنه أبقاها فى إطارها كموشحات وكفن تراثى
كان يريد إيقاعا عصريا وألحانا تصل إلى الناس التى فقدت صلتها بالموشحات ، الناس فى الشوارع والمحلات والحقول والأحياء الشعبية دون حواجز معرفية تمنع تذوقهم واستيعابهم للموسيقى التى اقتصر الاحتفاء بها على صالونات النخب وحفلات القصور
هكذا فإن المسرح الغنائى مر بفترتين هما ما قبل وما بعد سيد درويش أو بعبارة أخرى انتقل من عصر التنغيم إلى عصر التعبير
لننتقل الآن مباشرة إلى الاستماع لنماذج من فن المسرح الغنائى ولتكتمل الصورة يجب مقارنة ما قدمه المسرح بما كان يقدم قبله والذى عرضنا نماذج منه تحت عنوان فن المشايخ ومشايخ الفن
اخترت لكم هنا نموذجا يمثل كيف تطورت الموسيقى من التنغيم إلى التعبير وهو لحن والله طيب لسيد درويش من ألحان أوبريت العشرة الطيبة
والله طيب يازمان – ألحان سيد درويش
لحن مسرحى – مقام حجازكار – كلمات بديع خيرى
أوبريت العشرة الطيبة 1920 – تأليف محمد تيمور
لنلاحظ عند الاستماع لنماذج من ألحان سيد درويش المسرحية كيف كانت الموسيقى أداة تعبير ، وكيف أن هذه الأعمال ليست أغان وإنما غناء مسرحى ، ولذلك نادرا ما يشار إلى عمل لسيد درويش بأغنية كذا وإنما بلحن كذا
وأكبر دليل على أن هذه الألحان ليست أغان مصنوعة بقصد التسلية أن النص فى أجزاء منها عبارة عن حوار بين أشخاص أو مجموعات يتحدثون بأسلوب كلامهم العادى وبلهجاتهم أيضا ، وفى البيت الواحد بل فى ذات الشطرة أحيانا يأتى الحديث على لسان أكثر من شخص ، هذا الحوار المسرحى من أعقد ما يمكن تلحينه خاصة إذا اختلف الناطقون فى شخصياتهم وخلفياتهم ولهجاتهم ، وهى تخدم النص والموضوع المسرحى بالدرجة الأولى ويعد تلحينها مخاطرة خاسرة فى سوق الأغانى التجارية
بحث وتحرير: د.أسامة عفيفى
سيد درويش – المدرسة التعبيرية
كان سيد درويش يحمل فى عقله اتجاهات جديدة نتجت من دراسته لموسيقى الشرق والغرب ، ووجد فى المسرح الغنائى وسيلة وفرصة ذهبية للوصول إلى هدفه الذى لم يطمح إليه موسيقى من قبل وهو التعبير الموسيقى عن مدلول النص .. إنه يطمح ، كما صرح فيما بعد ، إلى أن يضع موسيقى يفهمها الإنسان فى أى مكان عابرا حواجز اللغة والجغرافيا ، إنه يعجب من إمكانه تذوق واستيعاب الموسيقى الأوربية ، ويتمنى لو أن باستطاعة الإيطالى والألمانى والفرنسى تذوق موسيقى الشرق
لم تكن الموضوعات التى اشتهر سيد دوريش بتلحينها فى مسرحه كألحان الطوائف والألحان الشعبية غير مطروقة فى وقته فإن مسرح الخلعى وداود حسنى ملئ بها ، ولم تظهر فئة كتاب جديدة فجأة ليلحن لها سيد درويش ، بل العكس هو الصحيح لقد ظهر سيد درويش فجأة لكتاب المسرح الغنائى الذى كان منتشرا ولم يأت به سيد درويش لكنه أحبه ، من أقوى الدلائل على ذلك تشابه بعض موضوعات بل وعناوين ألحان كامل الخلعى وسيد درويش المسرحية (راجع قائمة أعمال الخلعى المسرحية فى مقال سابق(
إذاَ ما الذى خص موسيقى سيد درويش بهذا التفرد كاتجاه جديد قلب الأوضاع الموسيقية كلها ، قطعا لم تكن النصوص والموضوعات هى السبب
كان الجديد الذى جعل المخرجين والكتاب وأصحاب الفرق يتبارون فى السبق إلى تقديم ألحان سيد درويش هو ذلك السحر الجديد المتمثل فى شعور الجمهور ، وهم منهم ، بأن الموسيقى الجديدة ليست مجرد تنغيم أو توقيع ، إنها تكاد تنطق بالمعنى ، تصوره تصويرا دقيقا مخلصا ، فلا سرعة فى كلمات حزينة ، ولا بطء مع كلمات مرحة ، ولا صياح فى نص غزلى ولا رقة فى نص حماسى وهكذا ، تتدفق الصور الموسيقية كما تتدفق معانى الكلمات ، لنستمع إلى لحن الوصوليين كنموذج لأسلوب المدرسة التعبيرية
لحن الوصوليين / عشان ما نعلا / مقام رى ماجير
لحن سيد درويش / كلمات بديع خيرى
برع سيد درويش كذلك فى تشخيص الشخصيات المسرحية بأداء خاص يعبر عن كل شخصية فالوالى له طريقة فى الكلام وكذلك الفلاح والعسكرى والصنايعى والعربجى والجرسون ، كذلك السودانى والمغربى والشامى والرومى إلى آخره .. ساعده فى ذلك أن النصوص المكتوبة لهذه الفئات كتبت بلهجات أصحابها واصطلاحاتها المهنية
اعــداد : حســـن نصـــراوي
فى عهد الخديو إسماعيل الذى أراد أن يجعل مصر "قطعة من أوربا" شهدت مصر انفتاحا غير مسبوق على الحضارة الغربية فقد كثرت الجاليات الأوربية فى البلاد وتعددت أنشطتها من التجارة إلى الصناعة إلى الحرف وكان من الطبيعى أن يصاحب تلك الجاليات أذواقها وفنونها ، وأشهر العروض الأجنبية على الإطلاق كان عرض أوبرا عايدة من تأليف الموسيقار الإيطالى فيردى ، والتى تم إعدادها خصيصا لمناسبة افتتاح قناة السويس عام 1869 ، والأوبرا تحكى قصة مصرية من أعماق التاريخ لكن ألحانها فى منتهى الحداثة وبطبيعة الحال صحبها فريق أوركسترا بالمواصفات العالمية ، تعددت العروض بعد ذلك وأصبح مألوفا قدوم الفرق الفنية الأوربية لأداء عروضها فى مصر بانتظام
كان تأثير العروض الفنية الأوربية محدودا خلال القرن 19 على الفنانين والجمهور على السواء ، لكن بنهاية القرن ظهر المسرح الغنائى المصرى كشكل فنى جديد استهوى العديد من الفنانين مع بداية القرن العشرين
نشأ المسرح الغنائى على يد سلامة حجازى وازدهر بأعمال كامل الخلعى وداود حسنى وسيد درويش وزكريا أحمد
زاوج سلامة حجازى الشعر العربى بالمسرح الغربى بتقديمه المسرحيات العالمية مترجمة ومعربة وموضوعات عربية الأصل فى شكل درامى غربى بألحان شرقية خالصة ، واستمر هذا الاتجاه فى مسرحيات بألحان الملحنين المخضرمين داود حسنى وكامل الخلعى ، إلا أن سيد درويش لم يرق له الاستمرار فى تقديم ألحان تقليدية فى هذا المسرح
مسرح سلامة حجازى
يعتبر سلامة حجازى مؤسس المسرح الغنائى العربى فى مصر وعلى خطاه سار من بعده وتعددت الفرق المسرحية الغنائية بفضل إصراره على تقديم ذلك الشكل الجديد للفن والذى لم يكن موجودا قبله ، وكان سلامة حجازى صاحب الفرقة والممثل الأول والمطرب الأول والملحن أيضا ، بعد وفاته تم فصل هذه الوظائف فى فرق الريحانى والكسار وغيرهما خلال القرن العشرين وفتح المجال للتخصص ومن ثم إمكانية الإبداع بصورة أفضل
كان مسرح الشيخ سلامة حجازى يقدم لجمهوره أفضل ما يمكن ، وكان يبحث عن نصوص الروايات الجيدة ويلحن أغانيها رغم تنوعها بين المسرحيات الشعرية العربية والنصوص المقتبسة أو المعربة عن نصوص الأدب العالمى
ويعتبر الشيخ سلامة أفضل من غنى القصائد فى وقته وله فضل الاهتمام بالشعر العربى الأصيل وإحياء الشعر القديم
قدم سلامة حجازى ألحان سيد درويش إلى الجمهور فى مسرحية فيروز شاه من إخراج جورج أبيض عام 1917 ، لم تكن هذه المرة الأولى التى قدمه فيها فقد سبق له تقديمه عام 1914 بين الفصول بأحد أدواره ، كان سيد درويش وقتها يلحن الأدوار والموشحات على الطريقة القديمة لكنه بدأ فى تلحين بعض الطقاطيق التى ذاعت بين الجمهور رغم انعدام وسائل الإعلام مثل زورونى كل سنة مرة ، ومنها ألحان استخدم فيه تيمات شعبية التقطها بذكاء من ألسنة الباعة والفئات الشعبية
على أنه يجب ملاحظة أن المسرح الغنائى نفسه قد تطور مرورا بنفس هاتين المرحلتين ، على سبيل المثال فإن مسرح سلامة حجازى وهو من فئة المشايخ لم يخرج بالموسيقى عن الأسلوب القديم ، وبينما نشط كل من كامل الخلعى وداود حسنى فى المسرح الغنائى لكنهما لم يخرجا بالموسيقى عن إطار التنغيم
داود حسنى
عاصر داود حسنى فن القرن 19 كما عاصر فن القرن العشرين ، وقد حضر عهد الحامولى كما لحن لأم كلثوم ، ولذلك كان مؤهلا للاشتراك فى التغيير الكبير الذى حدث فى المجتمع والفن أثناء حياته ، ومن محاولاته للتحديث تلحبن أول أوبرا مصرية هى شمشون ودليلة ، لكن أشهر ألحانه كانت الطقاطيق الخفيفة التى ما زال بعضها يردد لليوم
كامل الخلعى
من فنانى القرن 19 والقرن العشرين أيضا ، والخلعى من أساتذة الموسيقى الكبار وقدا استمر نشاطه حتى الثلاثينات من القرن العشرين وكان أكثر من غيره ميلا إلى المسرح الغنائى امتدادا لحركة سلامة حجازى المسرحية ، اشترك فى وضع ألحان بعض المسرحيات مع سيد درويش وله أربعة كتب فى الموسيقى وعشرات من الموشحات والألحان المسرحية
مسرح سيد درويش
بمقدم سيد درويش تغير كل شيء .. حلت المدرسة التعبيرية محل مدرسة التنغيم والطرب من أجل الطرب وأصبحت الموسيقى هى المدخل للتعبير عن الكلمات والنصوص والجو العام لموضوع القصة المسرحية
كان يمكن لكامل الخلعى مثلا ، وهو أحد الأساتذة الكبار ، أن يقدم لحنا فى إحدى الأوبريتات على إيقاع قديم شائع فى الموشحات الأندلسية
لكن سيد درويش كان له رأى آخر ، فقد لحن بنفسه الموشحات لكنه أبقاها فى إطارها كموشحات وكفن تراثى
كان يريد إيقاعا عصريا وألحانا تصل إلى الناس التى فقدت صلتها بالموشحات ، الناس فى الشوارع والمحلات والحقول والأحياء الشعبية دون حواجز معرفية تمنع تذوقهم واستيعابهم للموسيقى التى اقتصر الاحتفاء بها على صالونات النخب وحفلات القصور
هكذا فإن المسرح الغنائى مر بفترتين هما ما قبل وما بعد سيد درويش أو بعبارة أخرى انتقل من عصر التنغيم إلى عصر التعبير
لننتقل الآن مباشرة إلى الاستماع لنماذج من فن المسرح الغنائى ولتكتمل الصورة يجب مقارنة ما قدمه المسرح بما كان يقدم قبله والذى عرضنا نماذج منه تحت عنوان فن المشايخ ومشايخ الفن
اخترت لكم هنا نموذجا يمثل كيف تطورت الموسيقى من التنغيم إلى التعبير وهو لحن والله طيب لسيد درويش من ألحان أوبريت العشرة الطيبة
والله طيب يازمان – ألحان سيد درويش
لحن مسرحى – مقام حجازكار – كلمات بديع خيرى
أوبريت العشرة الطيبة 1920 – تأليف محمد تيمور
لنلاحظ عند الاستماع لنماذج من ألحان سيد درويش المسرحية كيف كانت الموسيقى أداة تعبير ، وكيف أن هذه الأعمال ليست أغان وإنما غناء مسرحى ، ولذلك نادرا ما يشار إلى عمل لسيد درويش بأغنية كذا وإنما بلحن كذا
وأكبر دليل على أن هذه الألحان ليست أغان مصنوعة بقصد التسلية أن النص فى أجزاء منها عبارة عن حوار بين أشخاص أو مجموعات يتحدثون بأسلوب كلامهم العادى وبلهجاتهم أيضا ، وفى البيت الواحد بل فى ذات الشطرة أحيانا يأتى الحديث على لسان أكثر من شخص ، هذا الحوار المسرحى من أعقد ما يمكن تلحينه خاصة إذا اختلف الناطقون فى شخصياتهم وخلفياتهم ولهجاتهم ، وهى تخدم النص والموضوع المسرحى بالدرجة الأولى ويعد تلحينها مخاطرة خاسرة فى سوق الأغانى التجارية
بحث وتحرير: د.أسامة عفيفى
سيد درويش – المدرسة التعبيرية
كان سيد درويش يحمل فى عقله اتجاهات جديدة نتجت من دراسته لموسيقى الشرق والغرب ، ووجد فى المسرح الغنائى وسيلة وفرصة ذهبية للوصول إلى هدفه الذى لم يطمح إليه موسيقى من قبل وهو التعبير الموسيقى عن مدلول النص .. إنه يطمح ، كما صرح فيما بعد ، إلى أن يضع موسيقى يفهمها الإنسان فى أى مكان عابرا حواجز اللغة والجغرافيا ، إنه يعجب من إمكانه تذوق واستيعاب الموسيقى الأوربية ، ويتمنى لو أن باستطاعة الإيطالى والألمانى والفرنسى تذوق موسيقى الشرق
لم تكن الموضوعات التى اشتهر سيد دوريش بتلحينها فى مسرحه كألحان الطوائف والألحان الشعبية غير مطروقة فى وقته فإن مسرح الخلعى وداود حسنى ملئ بها ، ولم تظهر فئة كتاب جديدة فجأة ليلحن لها سيد درويش ، بل العكس هو الصحيح لقد ظهر سيد درويش فجأة لكتاب المسرح الغنائى الذى كان منتشرا ولم يأت به سيد درويش لكنه أحبه ، من أقوى الدلائل على ذلك تشابه بعض موضوعات بل وعناوين ألحان كامل الخلعى وسيد درويش المسرحية (راجع قائمة أعمال الخلعى المسرحية فى مقال سابق(
إذاَ ما الذى خص موسيقى سيد درويش بهذا التفرد كاتجاه جديد قلب الأوضاع الموسيقية كلها ، قطعا لم تكن النصوص والموضوعات هى السبب
كان الجديد الذى جعل المخرجين والكتاب وأصحاب الفرق يتبارون فى السبق إلى تقديم ألحان سيد درويش هو ذلك السحر الجديد المتمثل فى شعور الجمهور ، وهم منهم ، بأن الموسيقى الجديدة ليست مجرد تنغيم أو توقيع ، إنها تكاد تنطق بالمعنى ، تصوره تصويرا دقيقا مخلصا ، فلا سرعة فى كلمات حزينة ، ولا بطء مع كلمات مرحة ، ولا صياح فى نص غزلى ولا رقة فى نص حماسى وهكذا ، تتدفق الصور الموسيقية كما تتدفق معانى الكلمات ، لنستمع إلى لحن الوصوليين كنموذج لأسلوب المدرسة التعبيرية
لحن الوصوليين / عشان ما نعلا / مقام رى ماجير
لحن سيد درويش / كلمات بديع خيرى
برع سيد درويش كذلك فى تشخيص الشخصيات المسرحية بأداء خاص يعبر عن كل شخصية فالوالى له طريقة فى الكلام وكذلك الفلاح والعسكرى والصنايعى والعربجى والجرسون ، كذلك السودانى والمغربى والشامى والرومى إلى آخره .. ساعده فى ذلك أن النصوص المكتوبة لهذه الفئات كتبت بلهجات أصحابها واصطلاحاتها المهنية
اعــداد : حســـن نصـــراوي
إلغاء إعجابي · · مشاركة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق